محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
70
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
جميع التحديدات اللاهوتية المتراكمة عن طريق قرون متطاولة من استخدام هذا المعجم والدوران حوله وتأويله . ينبغي ألا ننسى أن لهذا المعجم اللفظي تاريخا سوف يمحي أو يتلاشى تدريجيا عن أنظار المؤمنين كلما راحت الذاكرة الثقافية الجماعية تتولّد أو تتشكّل عن طريق أدبيات مهمومة بالتحوير الديني للتاريخ الدنيوي وتحويله إلى لحظة تدشينية عظمى أو مقدسة ( وهي اللحظة المعبّر عنها بنزول الوحي القرآني ) . قلت مهمومة بذلك أكثر مما هي مهمومة أو مهتمة بكتابة التاريخ الفعلي للماضي أو بالتعبير الدقيق عن الحقيقة المعاشة للماضي . وهكذا راحت جميع كتب التاريخ الإسلامي تندرج داخل جدران حكاية تأطيرية كبيرة ذات جوهر أسطوري ولاهوتي « 1 » . إنّ وجهة النظر هذه تتخذ أهمية حاسمة كما أشرت إلى ذلك في مكان آخر . لما ذا ؟ لأنها هي وحدها التي تجبرنا على الربط بين مختلف أنواع المنهجيات التحليلية . وهكذا نطبّق التحليل الألسني ، والتحليل السيميائي الدلالي ، والتحليل التاريخي ، والتحليل الاجتماعي أو السوسيولوجي ، والتحليل الانتربولوجي ، والتحليل الفلسفي . وعلى هذا النحو نحرّر المجال أو نفسح المجال لولادة فكر تأويلي جديد للظاهرة الدينية ، ولكن من دون أن نعزلها أبدا عن الظواهر الأخرى المشكّلة للواقع الاجتماعي - التاريخي الكلّي . إننا نجد في سورة التوبة ، كما في مقاطع أخرى عديدة من القرآن ، مفاهيم من نوع : « دين الحق » أو « الدين القويم » أو « الإسلام » ، منخرطة في الجدلية الاجتماعية المحرّكة من قبل فاعلين ذوي آفاق معنوية ومصالح مباشرة متغايرة . فهم ، أي الفاعلون الاجتماعيون ، يقومون بالمزايدة على نفس رهانات الحقيقة والنجاة المدافع عنها من قبل فئات أخرى منافسة . ونقصد بهم : اليهود ، والمسيحيين ، والمشركين ، والكفّار ، والمنافقين . ومعلوم أن أسماءهم مطبوعة أو متأثرة باستراتيجية الدمج أو النبذ ، وذلك طبقا لتجاربهم مع النداء الذي يدعوهم لإعلان التوبة أم لا . ونلاحظ أن مفهوم اللّه الواحد مبلور ليس من أجل مضامينه الخاصة ، وإنما أولا وقبل كل شيء من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب . تقول السورة : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( الآية 30 ) .
--> ( 1 ) لقد صدرت مؤخرا كتب عديدة تبيّن لنا كيف أن العلوم الدينية كانت قد شكّلت الفضاء الأسطوري ( أو المثالي ) . وهو فضاء يسقط كل التاريخ الدنيوي على اللحظة التدشينية العليا للنبوّة من أجل أن يحذف في كل مرة الأخطاء والانحرافات ( الحاصلة بالضرورة داخل المسار التاريخي ) ويرميها خارج ما يدعوه الخطاب الإسلامي ( أو الأصولي ) المعاصر بالإسلام الصحيح أو الأصالة . انظر بهذا الصدد تحليلات الباحث أوري روبان : عين الشاهد : حياة محمد كما رؤيت من قبل المسلمين الأوائل . تحليل نصّي : Early the by Viewed as Muhammad of Life The : Beholder the of Eye The : Rubin Uri 1995 ، Princeton ، Analysis Textual A . Muslims